أبي طالب المكي

369

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

قالوا : فأخبرنا يا رسول الله ، قال : أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى ، والبغض فيه ، وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله عزّ وجلّ ، ثم ينقلب الآخر عمّا كان عليه ويتغير ، هل يبغضه بعد ذلك أم لا ؟ فكان أبو ذر يقول : إذا انقلب عمّا كان عليه وتغير ، فأبغضه من حيث أحببته . وروينا عن أبي الدرداء أنّ شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء ، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه ، وأنّ الشاب وقع في كبيرة من الكبائر ، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه ، وقالوا له : لو أبعدته ، قال : سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء . وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك ، وقد قيل له فيه ، فقال : إنما أبغض عمله وإلَّا فهو أخي ، وكذلك قال الله عزّ وجلّ لنبيّه في عشيرته : فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ، ولم يقل : قل إني بريء منكم للحمة النسب ، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب . وقيل لحكيم بن مرة : أيما أحب إليك : أخوك أو صديقك ؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا . وكان الحسن يقول : كم من أخ لك لم تلده أمك ، ولذلك قيل : القرابة تحتاج إلى مودة ، والمودة لا تحتاج إلى قرابة . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال : مه وزبرهم لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم . وفي أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان ، قال : ودّ الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه وتهجروه ، فما ذا بغيتم من محبة عدوّكم ؟ وقد كان أبو الدرداء يقول : إذا تغير أخوك وحال عمّا كان ، فلا تدعه لأجل ذلك ، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى ، وكان يقول : داو أخاك ولا تطع فيه حاسدا ، فتكون مثله وقال الحسن : أي الرجال المهذب وقال إبراهيم النخعي : لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب ، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا . وقال أيضا : لا تحدثوا الناس بزلة العالم ، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها . وفي الخبر : اتّقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا فيئته . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : شرار عباد الله المشاؤن بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء الغيب . وقال سعيد بن المسيب إني لأكره أن أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين . وفي حديث عمر ، وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه ، فقال : ذاك أخو الشيطان قال : مه قال : إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر فقال : إذا أردت الخروج فأذني قال : فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم ، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب الآية ، ثم عاتبه تحت ذلك وعذله ، فلما قرأ الكتاب قال : صدق الله ونصح لي عمر قال : فتاب ورجع . ومن أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علما لوجود الإيمان ، وقرن بحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما في